السيد عبد الأعلى السبزواري
46
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
قليلا مهما عظم ، فعن أمير المؤمنين عليه السّلام : « لا يقلّ عمل مع تقوى ، كيف يقلّ ما يتقبّل ؟ ! » ، فلم يكن لهم توجّه إليه عزّ وجلّ أبدا ، فإنّ من أحبّ شيئا خلب مشاعره ، فإذا كان عملهم للّه تعالى حبّا وطاعة له ، فإنّه يستولي على قلبهم وجميع جوانحهم وجوارحهم ، فيكونون ذاكرين للّه تعالى حاضرين لديه مراقبين لنفسه . وممّا ذكرنا تعرف أنّ المراد بالذكر هو الأعمّ من الباطني القلبي والذكر اللساني ، فالمنافقون اقتصروا على القليل منه ولم يقبل منهم ذكرهم هذا ؛ لعدم التقوى فيهم كما عرفت آنفا . قوله تعالى : مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ . صفة أخرى من صفات المنافقين ، وهي التردّد في الإيمان والكفر ، فلم يستقرّوا على أحدهما فلا هم مؤمنون حقيقة ولا كافرون محضا ، وإنّما كانوا كذلك لتردّدهم بين مجتمع المؤمنين والصلاة معهم رياء ، وبين موالاة الكافرين ومجالستهم ، ويدلّ على ذلك كلمة « بين » كما حكى عنهم عزّ وجلّ في الآيات المباركة السابقة ، فإنّ القرآن يفسّر بعضه بعضا . هذا بالنسبة إلى حالتهم النفسيّة المتردّدة المشكّكة . وأمّا عند اللّه فهم كافرون كما يدلّ عليه الطبع على الكفر في قوله تعالى : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ [ سورة المنافقون ، الآية : 3 ] وغيره من الآيات الشريفة . ومادّة ( ذبذب ) تدلّ على الحركة والاضطراب ، قال النابغة : ألم تر أنّ اللّه أعطاك سورة * ترى كلّ ملك دونها يتذبذب ومنه حكاية صوت الحركة للشيء المعلّق ، ومنه أيضا المهتز المعلّق الّذي لا يثبت ولا يتمهّل ، والذال الثانية أصيلة عند الجمهور خلافا لبعض الكوفيين ، حيث جعلوها مبدّلة من « باء » . وقرأ ابن عباس : ( مذبذبين ) بكسر الذال الثانية ، وهذا الوصف يدلّ على عدم حصول اليقين عندهم وفقدان الثقة في نفوسهم . وهذه الحالات تحصل للإنسان إذا اقتصر على الماديات بجحود الحقّ ، وترك ما وراءها ، وجعل همّه في الدنيا هو الاقتناء على وسائل العيش المادي والسعي وراء متاع